04‏/08‏/2020

الشروق .. ليس لأحد

الشروق الثاني


(5)


الليلة شديدة البرودة تكاد أن تشلّ حركتي ولساني. هكذا يكون برد الصحراء كما سمعت، برد ينهال عليك بالضرب حتى تتكسّر عظامك وتسمع صوت طقطقتها كما الخشب في النار. النار! هل يمكن أن تشعل نارا أو مدفأة ربما؟ همست في أذن عبد الرحمن، لكنه لم يجب ونظرة الشرود تعلو وجه الذي يغمره حمره لم أعرف مصدرها، هل هي حمرة الخجل كما يقولون، وهل يعقل أن يخجل مني! لا هنالك أمر آخر، فأذناه أيضا تشتعل نارا. 

- عبد الرحمن .. عبد الرحمن، هل أنت بخير! قام عبد الرحمن من مقعده متكاسلا متثاقلا ليسقط بعد برهة على الأرض دون حراك.
- عبد الرحمن .. عبد الرحمن صرخت حتى اختفى صوتي مع الريح والرعد.

- فهد .. فهد حبيبي .. فهد خلّيني أشوف إيدك حبيبي، بتوجعك! بسيطة حبيبي، ما في شي، بسيطة تعال معي، تعال معي. تختفي صورة أمي، يأكلها الفراغ وأعود مذعورا أنظر في وجه شروق الذي حلّ مكان وجهها! كيف جئت الى هنا؟ ولما تنادينني باسم عبد الرحمن! اسمي فهد يا شروق! اسمي فهد! بدأت أصرخ بإسمي حتى ابتلعني الظلام. 

كيف للحياه أن تتبدل بهذه السرعة! وكيف تختلف الأسماء والوجوه! نخرج من البيت باسم ما ونعود له بإسم آخر! نخرج والضحكات والفرح يملؤ قلوبنا، لنعود إليه مثقلين بالحزن والألم والغضب! نخرج من البيت حين نكبر وحين نكبر نتمنى العوده إليه صغارا آمنين نلعب ونصحك دون سبب، فقط لأننا نريد ذلك. 

لماذا تغتال أحلامنا على أعتاب المراهقة! وحين نفتح أبواب القلب، تأتينا الطعنات من كل جهة! حين نصرخ في وجه الدنيا أن لنا الحياة، تضحك وتسخر منا، ثم تلطمنا على وجهنا رغبة منها في أن نصحو، نستيقظ فلا مكان للأحلام في عالمنا.
نشرع باب البيت لنستقبل النهار في مقتبل عمرنا، فيأت الليل مبكرا ويهبط في دواخلنا، يعشعش هناك في زاوية الروح، فلا نجد له بعد ذلك اليوم مخرجا أبدا.

لماذا يصرخ باسم فهد؟ من فهد هذا؟ هل هو أخاه! أو ربما صديقه المقرب؟ 
- عبد الرحمن .. عبد الرحمن، من فهد هذا الذي كنت تهذي باسمه؟ من هو أخبرني؟ ثلاثة أيام بلياليها وأنا أبدل الخرق وأمسح العرق عن وجه عبد الرحمن وأبكي بصمت. ثلاثة أيام، لم أعرف خلالها  طعم النوم ولا الأكل، لقد نسيت كل شيء تقريبا، نسيت نفسي وماذا أفعل هنا! كان بإمكاني الهرب، لكنني لم أهرب لماذا! لماذا! هل وقعت أسيرة ما يقولون عنه في الطب النفسي "متلازمة ستوكهولم"! هل بدأت فعلا ارتبط بخاطفي وأتعاطف معه! ما هذا! أنا طبيبة وأفهم جيدا هذه العلاقات، فكيف أقع ضحيتها؟ النفس البشرية بالغة التعقيد، والعقل البشري رغم كل تطوره ما زالت تحكمه العاطفة! لا يمكن .. لا يمكن! لكنني قبل كل هذا وذاك إنسانة، ربما بسبب ذلك سأقع ضحية العديد من الإسقاطات والمتلازمات دون إدراك مني حتى لو كنت طبيبة ولو أنني مدركة تماما بأن هذا مجرد خلل نفسي مؤقت! 

- شروق .. شروق، اخترق صوت عبد الرحمن مخيلّتي بحدة حتى مزّق أفكاري أشلاء وبعثرها
- ماذا تريد!
- أريد ماء .. أريد ماء أنا عطشان جدا
- حسنا

- كيف كنت تعيشين لوحدك طوال تلك الفترة، أين أهلك؟ وكيف سمحوا لك بذلك؟ لا أصدق إننا وصلنا الى هذا المستوى من الرذيلة والاستخفاف، يجب قتل والدك وإخوانك لسماحهم لك بهذا. 
- لكن والدي متوفي وأخي متزوج في أمريكا والاخر يعمل في الخليج 
- هذه أعذار واهية، كان لزاما عليك أن تعيشي مع أحدهم أينما حل.
- حتى أصبح خادمة لزوجته وأولاده! 
- خادمة أفضل من عاهرة.
- وما توصيفك لكليهما! 
- ماذا تقصدين؟ ماذا تعنين بهذا شروق؟ 
- الخادمة تبيع شغل يديها مقابل المال والعاهرة تبيع شغل جسدها مقابل المال أيضا، فما الفرق؟ 
- ماذا تقولين أنت فعلا عاهرة ويجب إعدامك. 
- أنا اتساءل فقط، أين الاختلاف؟ أنت تبيع شيئا ما يخصك وآخر يشتريه، فأين تكمن مصيبتك أنت؟
- تبيع شرفها وشرف عائلتها! تبيع ما ليس لها، جسدها ليس ملكها، 
- ملك من إذا يا عبد الرحمن؟
- ملك ذويها، ملك زوجها 
- إذا كان ملكا فبالإمكان بيعه أليس كذلك؟ 
- ماذا؟؟
- أنت قلت بأنه ملك ذويها وزوجها، أي ملك الرجال، أليس هذا ما قصدته، لم هو ملك الرجال؟
- أنت فعلا تحاولين إثارتي لقتلك
-  لا أبدا، أنا أتساءل فعلا، هل جسد المرأة ملك الرجال؟ 
- نعم 
- وهذه الملكية تنتقل بالوراثة أو من خلال البيع والشراء؟
- بالوراثة، وأيضا بالبيع والشراء 
- حسنا، عندما تشتري المرأة فإن هذا حلال؟
-  طبعا 
- وهل جسدها يصبح ملكك؟
- طبعا 
- إذا المشكلة ليست في الجسد! ولكن من يحق له أن يبيعه ليصبح حلالا 
- اعتقد ذلك 
- إذا، إذا باعت المرأة جسدها هذا عهر، أما إذا باعه أباها أو أخاها أو زوجها فهذا حلال! 
- لا ليس كذلك، أنا لم أقل هذا كفاك .. كفاك استفزازا لرجولتي شروق 
- رجولتك! وهل أصبت رجولتك في شيء! أنا أتحدث عن جسد المرأة لا جسدك عبد الرحمن! 
- صون جسد المرأة له كل العلاقه برجولتي.
- وهل رجولتك تقول لك أن تأخذني جارية! هذا حلال! 
- طبعا، فأنا اشتريتك من الأمير فأنت لي.
- وكيف تكون رجولتك سليمة وأنت لم تصني! 
- كيف ذلك! فأنا اشتريتك لأصونك
- و هل يباع جسد المرأة الحرة والشريفة في نظرك يا عبد الرحمن!
- انت لست حرة بل جارية 
- وكيف أصبحت جارية وقد ولدتني أمي حرة!
- لأنك خارجة عن الملة يا شروق 
- أي ملة يا عبد الرحمن؟ ملة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم! ملة إبراهيم عليه السلام! أي ملة تقصد! ومن قال لك أنني خارجة عن الملة؟
- أفعالك وأقوالك
- وهل كنت تعرف أفعالي وأقوالي قبل شرائي؟ 
- نحن نعرف كل شيء عن الجميع هنا، لذا قمنا بالهجوم عليكن  وسبيكن 
- وماذا تعرف عني وعن أفعالي وأقوالي؟
- كل شيء 
- أذكر شيئا واحدا فقط يا عبد الرحمن 
- تعيشين لوحدك وهذا سبب كاف لسبيك 
- لأنني كنت أعيش وحيدة 
-  نعم وحيدة


10‏/07‏/2020

الشروق .. ليس لأحد

الشروق الثاني


(4)



خرجت في العاشرة صباحا من منزل والدي في انطلاق محموم نحو المدينة، بحثا عن شقة استأجرها، في الأول من أيلول، بداية العام الدراسي. دائما ما  يذكرني هذا التاريخ ببداية العام الدراسي، كم أفتقد تلك الأيام الغابرة. دخلت المدينة على غير هدى لا أعرف إلى أين أذهب أو من أسأل، لوهلة شعرت بأنني لأول مرة أدخلها وأنني تائهة فيها كطفل صغير. سرت على غير هدى في الشوارع، تارة أسال المارة وتارة أخرى أسال أصحاب المحال المتناثرة على جنبات الطريق، كلوحة إعلانية ابتدعت على عجل. ثم اهتديت إلى فكرة لا أعلم لمَ لم تخطر على بالي سابقا، سؤال الأطباء والطبيبات في المستشفى الذي سأعمل به قريبا، نعم هذا هو الحل الأمثل والذي كان غائبا عني بسبب تفكيري بأمي، كيف سأتركها وحيده، بعد أن رحل رائد ومن ثم أبي! والان أنا، ومحمد قريبا جدا! كيف سأدعها لوحدتها وحزنها دون معين أو سائل! ربما أستطيع اقناعها بالقدوم والسكن معي في المدينة، بعد رحيل محمد ربما أستطيع. 


ذهبت إلى مستشفى النور لعلاج الأورام السرطانية، وهناك استقبلني الدكتور "وليد" بابتسامة عريضة وترحيب كبير، وتساءل عن سبب حضوري المفاجئ. أخبرته عن عزمي على الانتقال إلى العيش في المدينة، لأكون قريبة من عملي ومن أبحاثي. أثنى على الفكرة كثيرا، وقام بالاتصال بصديق له يملك مكتب تأجير عقارات، وخلال ساعتين فقط عثرت على شقتي الأثيرة. هذه الشقة التي أمضيت فيها أجمل وأقسى سنين عمري، ربما كنت أظن ذلك لحظتها فقط، لأنني لم أعلم أبدا أنني سأعيش سنين أخرى أكثر قسوة وأشد إيلاما، ما لم تره عين وما لم يخطر على قلب بشر. 

رفضت استئجار شقة مفروشة، حيث أنني رغبت أن أؤثثها كما يحلو لي، على ذوقي. غرفة نوم وصالة ومطبخ وحمام وشرفة مطلة، هي كل ما أريد وكل ما أملك ذلك الوقت. دهنت جدرانها باللون المشمشي الفاتح وعلقت صور الغروب في الصاله في إطار مذهب، ولوحة أخرى بإطار خشبي. طلبت تفصيل ساعة خشبية عمودية لا يخرج منها عصفور، ولكنها تقرع جرسها المذهب الكبير كل اثني عشر ساعة. كنت قد رأيت صورتها في مجلة سابقا وأسرتني جدا. كلفتني كثيرا من المال ولكنني حين رأيتها قابعة في زاوية الغرفة، نسيت كل شيء، بسرور بالغ دق الجرس وأيقنت ساعتها أن الوقت أغلى ما نملك فعلا  وسأدفع فيه أكثر لو اضطررت. 


اشتريت سريرا مزدوجا كي يسعني وأوراقي البحثية المتناثرة، اشتريته مستعملا من خشب الزان الذي أحب ملمسه وصلابته. وعلقت فوق رأسي لوحة أهداني إياها والدي، غابات كثيفة وبحيرة في مشهد الغروب. ألوان دافئة تبعث على الحب والراحة التي كنت أبحث عنها طويلا. وأمام السرير وضعت منضدة صغيرة، علقت فوقها مرآة ذات إطار خشبي. ووضعت عليها أدوات التجميل،  قلم الحمره والتخطيط وعلبة ظلال العيون، وقارورة عطر شارفت على الانتهاء، وفرشاة تبدو لوهلة كفرشاة الأسنان من كثرة الاستعمال، ولكنها فرشاة البودرة الوحيدة التي أملك. لم أكن يوما من محبي استخدام المكياج بكثرة. فأحيانا كثيرة كنت أنسى وضع أي شيء على وجهي قبل الخروج للعمل. كطبيبة اهتممت بالنظافة الشخصية والظهور على طبيعتي أكثر، دون محاولة تجميل. وذلك ليس لأنني فائقة الجمال، ولكنني لم أكن أملك رفاهية الوقت ولا المال الكافي لذلك. فكل ما كنت أملكه، كان يذهب في شراء الكتب والأبحاث تحديدا، وهذا ما كان يعينني وقتها. 


الشرفة، عالمي الخاص والحالم، فقد اشتريت لها كرسيا هزازا، وترابيزه قش، أضع عليها فنجان قهوتي الصباحي وجهاز الراديو لأستمع لفيروز قبل الانطلاق إلى العمل. واشتريت سبعه قوارير وزرعت فيها ريحانة، سجادة، قرنفلة، نعنعنا، ميرامية وجورية، وفلة لتجتمع كل هذه الروائح صباحا مع القهوة وفيروز، وأصبح أنا في عالم آخر. حلم أتمنى أن لا استيقظ منه أبدا. وفي العصارى، أجلس وأقرأ حتى ينبئني القمر بأنني لم أعد أرى الكلمات المكتوبة، ولكنني أتوهم، ساعتها فقط أقوم متكاسلة لأندس في فراشي وأنام.


ولانني أعشق الوسائد، فقد ملأت الشقة بها، من غرفه النوم وحتى الصالة، تجدها في الزوايا وفي منتصف الغرفة وأمام السرير وفوقه. وسائد مربعة الشكل مطرزة بالورود والأشجار، في لوحات فنية بخيوط من حرير. أتعثر بها دائما وأقع، لكن ذلك أبدا لم يثنيني عن شراء المزيد منها كلما مررت من السوق القديم.


اشتريت للصاله أربعة مقاعد خشبية، محفورعلى يديها وردة كبيرة وعلى رأسها أيضا. ذات قماش بني اللون ذو تطريز خفيف بخيوط ذهبية على شكل تلال. وفي الوسط تقبع طاولتي المفضلة التي كانت تحمل كل أنواع وأشكال وأحجام الكتب التي أقرأ. طاولة خشبية محفورة الأقدام على شكل زخارف هندسية قديمة. كانت طاولة عمل وقراءة وكانت للضيوف أيضا. كانت كل شيء على شكل طاولة قديمة.

شقة في عالم صغير آمن، مرفأي الصغير، والأخير.  كانت كل ما أملك وكل ما أريده فعلا، لكنها أبدا لم تكن لتحميني ولم تكن بيتي الآمن كما حلمت يوما. لا تستطيع الجدران أن تقي أحدا من الفيضان، من الخراب ومن الدمار، بل تصبح الجدران أحيانا هي القاتلة، مدمرة العوالم السعيدة حين تسقط على رؤوس قاطنيها. لم تستطيع شقتي أن تحميني في ذلك اليوم المشؤوم، وكل الأقفال لم تصنع شيئا أمام رصاصة واحدة، وكل الأبواب كانت مشرعة على الموت والكره والجنون.

04‏/07‏/2020

الشروق .. ليس لأحد

الشروق الثاني


(3)


رائد أخي الاكبر، كبير العائلة كما يحلو لأمي مناداته، يكبرني بأربع سنوات عجاف، كان خلالها الآمر الناهي وسيد البيت الصغير، مدلل أمّي ورفيق درب والدي، أربع سنوات من العيش الرغيد حتى جئت أنا، مصيبته الكبرى كما كان يدعوني. فمنذ لحظة ولادتي خطفت أنظار أبي وقلبه، سرقته من زوجته وابنه البكر. لم أقصد ذلك أبدا، ولكن أحيانا لا يهم ما هو قصدك المهم النتيجة. ورغم قدوم محمد بعد ذلك بعامين، إلا أنه لم يحظ إلاّ بالقليل من كلا الطرفين. صحيح أنه آخر العنقود، لكنه جاء كغلطة غير مقصودة، هكذا صارح والدي محمد في ليلة تشرينية حين سأله عن سبب جفائه.

يزيد عن المتر وثمانين سم قليلا، ممتلئ الجسد وذو عضلات لافتة للنظر. يملك أنامل والدي العريضة وعيون أمي. حنطي البشرة، وذا وجه شبه دائري لم يكتمل تماما، وذقن مدببة صغيرة توحي لك بمدى دهائه.


منذ ريعان صباه، اكتسب رائد ثقة بالنفس وصلت حد الغرور، ساهم في ذلك دعم أمي وانحيازها الدائم لخياراته العبقرية. فقد كان متّقد الذكاء ولامعا في مسيرته التعليمية، اكتسب العديد من الأصدقاء والمحبّين، وحتى أحيانا المريدين. كان يبرع في مخاطبة الفتيات تحديدا، وخاصة حين يفرد عضلاته ويستعرضها من خلف أزرار قميصه المفتوح. اكتسب شعبية كبيرة في قريتنا، بل والقرى المجاورة، فقد كان رياضيا أيضا، ويمثل القرية في المسابقات التابعة لوزارة التربية والتعليم دوما، وقد أحرز عددا من الميداليات الذهبية والفضية في كرة السلة والطائرة.


فتيات القرية كنّ جميعا يتنازعن حوله وعليه، فقد كان مرغوبا بشدة، وللأسف استغلّ رائد هذه المشاعر النبيلة لمعظم الفتيات، فلم تسلم منه إلاّ من رحم ربّي. فكسر قلوبا وحطّمها، واستغلّ سمعتنا الطيبة في تحطيم سمعة العديد منهن، حتى أقدمت "حياه" على محاولة الانتحار بسببه، فقام ذووها بإدخالها مصحة نفسية، لم تخرج منها للآن.


لامه والدي بشدة على هذه الفعلة الشنيعة، ولكن لا حياة لمن تنادي، ولأوّل مرة، يرفع والدي يده على أحد أبنائه وكان رائد، فكانت صفعة مدوية لكل العائلة وليس لرائد وحده، حتى أمي تلقّت الصفعة بصمت قاتل، وهذه الصفعة كانت كفيلة ليرحل أخي الى بلاد الغربة. كان لا يتجاوز العشرين عاما، وكان يدرس للسنه الثانيه في الجامعه مهندس مدني، رحل فجأه ودون وداع أحد حتى أمي . ترك لنا رسالة مقتضبة على السرير، يعتذر فيها عن سرقة المال من خزانة أمي وأخذ ذهبها أيضا ليستعين بهم على شراء تذكرة لأرض الأحلام "أمريكا". كان رحيله فاجعة، فحينها كبرت أمي عشر سنين دفعة واحدة، وسقط أبي صريع المرض الذي لم يعرف سببه أو نوعه.


أما أنا فكنت أمرّ بمرحلة حرجة بسبب الثانوية وفترة المراهقة، وضلوعي في الجريمة التي حدثت، فقد كنت أنا من أبلغ والدي عن موضوع "حياه"، نعم أنا السبب في كل ما حدث في هذا البيت الصغير، لأنني لم احتمل فعلة أخي ولم أطق صبرا، فركضت مسرعة إلى والدي أسأله بجنون وعصبية: ماذا لو كنت أنا "حياة"؟ ماذا لو فعل بي أحدهم مثلما فعل رائد بحياة؟ ماذا ستفعل حينها يا أبي !كانت هذه الأسئلة كفيلة بإشعال النار في منزلنا الصغير وفي هروب أخي، وحزن أمي الأزلي، ولاحقا في موت أبي.


رغم ذلك لم تكف عزيمتي، ولم أتوقف من يومها عن طرح الأسئلة الأكثر استفزازا، وخاصة في المواضيع التي تمس قلبي وعقلي. كان هذا أسلوبي في التحرر من القوالب الجاهزة والإجابات المريحة. خرجت من المنطقة الآمنة ذلك اليوم ولم أرجع إليها أبدا.


حتى عندما أسرني عبد الرحمن وتكالب على، لم أتراجع، بل على العكس تماما، زادت حدة الأسئلة وتنوعت، وأصبحت أكثر استفزازا وجنونا، حتى أنني في مرات كثيرة لم أصدق ما تسمعه أذني منّي، لكن على ما يبدو أن قراءاتي على مدار عشرين عاما قد أتت أكلها جيدا. 


03‏/07‏/2020

الشروق .. ليس لأحد

الشروق الثاني

(2)

عند المغيب كان عبد الرحمن يحضر دائما متجهم الوجه حانقا، أظن بأنه يلعن التاريخ في سره وربما أشياء أخرى أو أشخاصا بذاتهم، ربما يلعن الأمير أو أحد رفقاء الجهاد!  يجلس ممتعضا يعضّ على شفته العليا، تلك الشفة التي يغطيها شارب أسود كثيف يوحي بوحشية ذلك الفم وهذه الذقن غير المهذبة توحي بمهزلة الحياة وعبثيتها.


كلما تمعنت في وجه عبد الرحمن أرى شخصا آخر، لا أعرف من هو، لكنه يتراءى لي خيالا في بؤبؤ العين، يغمزني، يمازحني ، ويبتسم بعفوية طفولية تأسر فؤادي، لكن حين أعود وأنظر إلى يديه، أرى عبد الرحمن الحقيقي؛ القاتل، المغتصب، السارق، والمجرم. هل هي رغباتي تنعكس على صورة ما أراه، أم هي أفعاله ونزواته والتي أراها تختلف أحيانا في مقلتيه الناعسه!


كم أعشق هذه العيون يا عبد الرحمن، آه لو تعرف، كم أعشق عينيك! يقبع فيهما خضار النرويج والغزلان، غابات من أشجار الصفصاف  والسرو تنمو في عينيك. وتلك النجوم التي تتلألأ ليليّا فيهما، تذيبني حد الجنون. أعشق الفرح في عينيك والذي نادرا جدا ما أراه، وكم أرغب لو يدوم حتى ينام القمر أو أنام أنا على الأقل.


عبد الرحمن: هل تؤمنين بالقدر يا شروق؟

بانتباه شديد تلقّفت السؤال، وأعدته بمكر: أيه قدر تقصد؟

عبد الرحمن: أي قدر يعني! القدر!


وحتى استفزّه أكثر، أجبت متصنعة عدم الفهم: تقصد الله بحد ذاته! أم قدرية أقواله وأفعاله! أو ربما تقصد المحتوم، وأن كل وجودنا مسجّل مسبقا في لوح محفوظ وبالتالي نحن نسير على خطى هذا القدر المكتوب لنا منذ الأزل!

عبد الرحمن: دائما تفلسفين الحديث كما يحلو لك حتى لا تجيبي صراحة، حتى لا تقولي لا بطريقة مهذبة.


بابتسامة خفيفة حتى لا أثير غضبه: هي محاولات لقولها لكن بطرق ملتوية وغير مهذبة أبدا.

عبد الرحمن: تعترفين إذا! أنت لا تؤمنين بالقدر؟

أجبته بصرامة: حدد عن أي قدر أنت تتحدث، وعندها سأجيبك؟

عبد الرحمن: القدر الذي يقول بأنك ستنامين وأنت تبكين من شدة الألم.


كان الألم مبرّحا لدرجة أنني لم أنم حتى خرج عبد الرحمن صباحا إلى عمله، أقصد إلى جهاده.


ثلاثة أبواب حديدية يزخر بها  سور حديقة المنزل، هذا السور الذي يرتفع ثلاثة أمتار في مواجهة السماء وكل العيون المحيطة  به. هذه الأبواب الصدئة تحجب الهواء والأفق، ولا يمتاز لونها عن لون الماء الآسن إلاّ بلون الصدأ الذهبي الذي يلمع تحت أشعة الشمس، فيضفي القليل من البهجة على هذا المعتقل.


الحديقة الخارجية ليست حديقة فعلا، لكنها جزء من الصحراء الكبرى اقتطعت وحملت ووضعت ها هنا لتوحي لك بضراوة العيش وقسوة المنبت. لا شيء أخضر ينمو هنا، إلا عيني عبد الرحمن.


حين أكون وحيدة، أتجوّل في أنحاء المنزل الكبير، فأدخل الصالة التي لا تتميّز عن الصالون إلاّ بصورة آية الكرسي مذهبة ومعلقه على صدر الحائط كنيشان. أما المفارش الأرضية هي ذاتها بلون التراب أينما حللت. يمتلئ البيت بالمفارش الترابية اللون والطعم والرائحة، حتى غرفة النوم، لا سرير فيها ولا منضدة، فقط خزانة متهالكه وفرشة أكلت من لحمي وجلدي ما أكلت.


رغد العيش للآخره كما يقول لي عبد الرحمن، أما الدنيا فهي متاع الغرور، وعلينا أن نعيش متقشفين كما كان يعيش أسلافنا، حتى نشعر بهم ولنشعر أكثر بقربنا من الله. لكنني دوما ما كنت أسأله، كيف أن الفقر والزهد يقربنا من الله! ألا يجعلنا نشعر باليأس والقنوط والخروج من رحمته! ألم يقل الله بأنه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده! ويقول "إن شكرتم لأزيدنكم"! فهل إن شكرناه على فقرنا، سيزيدنا فقرا!


كل حوار مع عبد الرحمن مهما صغر شأنه، كان يؤدي بي الى النوم منتفخة الوجه ومتورمة العينين، صارخة من الألم. ولكنني بت أعلم جيدا أنه حين يهمّ بضربي، ساعتها فقط أكون قد انتصرت عليه، نعم ربحت معركة الكلام وخسرت معركة الجسد.

28‏/06‏/2020

الشروق .. ليس لأحد


9/8/2020


الشروق الثاني


(1)


قرية "الغزلان" تقع على بعد كيلومترين عن حدود المدينة، يقطنها أربعمائة وسبعون نسمة وتمتاز بوفرة المياه حيث يحدّها من الشمال نهر "الهادر" ومن الغرب نبعة "المجنونة" تتفجر وسط هذه القرية الوادعة. تحاذيها قرية "الضبعة" من الجنوب وضيعة "جورة التين" من الشرق ولا يفصل بينها وبين هذه القرى سوى أسماء ملاّك الأرض. 

عند الخروج من المدينة الصاخبة تأخذني الطريق إليها في رحلة جمالية قل نظيرها، أو هكذا كنت أظن قبل وصولي النرويج. لمسافة كيلومتر ونصف تتعرج الطريق كحية رقطاء ممتدة، في شارع ضيق لا يزيد عرضه عن ثلاثة أمتار، إذا احتسبنا الرصيف على جانبه الأيمن. يظلل شجر الحور والصفصاف واللوز والجوز وأنواع أخرى امتداد الطريق، فيحميه من فضلات الطيور وأعين المسافرين في الطائرات. على الجانب الأيسر للطريق يمتد واد غير سحيق ولكنه ذو زرع، فإن توقفت على جانب الطريق وأرسلت البصر جيدا، فبإمكانك رؤية الخس والخيار والبازلاء والفول الأخضر وغيرها من المزروعات التي يبرع فيها مزارعوا هذه القرية الوادعة. 

هي ليست وادعة تماما، فقد مر على قريتي العديد من الجرائم وغيرها من الآفات الاجتماعية التي لا بد أن تصيب أي تجمع سكاني يزيد عدده عن واحد وحيد. فقد قتل طفل في قريتنا لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره بسبب غزال. وسرق من أبي عمر صاحب الدكان الوحيد في القرية مبلغ من المال لغاية الآن لم يعرف قدره، فبالعض قال مئة وآخرون قالوا آلف، وأم علي تقسم أغلظ الأيمان بأنه تجاوز العشرة آلاف من الأوراق الخضراء.

كما قام أحد الشباب ويقال بأنه ابن مؤذن القرية بالاعتداء على "مجد"، الصبية ذات الخمسة عشر ربيعا، وأدى بها الى أن تحبل، ومن ثم تم قتلها على يد أخيها لغسل عار العائلة كما يدّعون. "مجد" كانت "مجنونة" القرية كما كان يحلو للجميع تسميتها إلا والدي، فقد كان يناديها غزالة، ودائما  ما كان يطعمها من يده ما لذ وطاب من الحلوى. أذكر حين سمع بخبر وفاتها، بل قتلها، جن جنونه ودار يصرخ في أبناء القرية ويشتم ويلعن، سار على غير هدي لساعات طويلة والعرق يتفصّد من كل أنحاء جسده، والحرارة تأكله وأيضا الألم. كنت حينها لا أتجاوز التاسعة من عمري، لكنني لأول مرة في حياتي شهدت دموع والدي وجنونه.

أبي، تكاد صورتك تختفي من الذاكرة تماما، أصبحت باهتة وقاتمة، أستعين بكل الروائح والأغاني والكلمات، أستعين بالحديث مع أمي عنك ومع أخوتي. أنبش بأظافري في الصور القديمة، وفي عقلي، لكن الصورة تأبى إلا الرحيل، حتى في الحلم بت تأتيني طيفا أعرف بقلبي أنه طيفك، لكن دون ملامح، دون ألوان، دون صوت أو رائحة تعينني على التذكر، وعلى التمتع بهذه الأطياف والهالات.

أنظر الآن الى صورتك يوم عرسك، شابا يافعا ضحوكا، طويلا، شعر ناعم منساب على الجبهة العريضة، وعينان كعيني الثور، هكذا كانت تصفهم والدتي دائما، وكنت تضحك لها دوما وتعاكسها لتقول: وعناده أيضا.
نعم، كنت عنيدا جدا رغم طيبك الشديدة، رغم كل الحنان الذي يتفجر من مقلتيك وكفيك، كنت عنيدا وصلبا كصخر الصوان بل أكثر.

تتموضع مثل "شكري سرحان"  في الصورة، لا أعلم لماذا؟ ولكن يبدو بأنه كان مثالا يحتذى به آنذاك. يدك أسفل ذقنك، قدمك على كرسي مرتفع، وتتكئ بكوعك على ركبتك المرفوعة. اعتذر يا حبيبي ولكن الصورة فعلا مضحكة، ومؤلمة في آن معا. اضحك لهذا التموضع العجيب لأخذ الصورة، وأبكي لأنني لا أذكر، هل هكذا كان شكلك فعلا يا أبي! هل هذا أنت الذي أعرف! لماذا تبهت صور من نحب هكذا! لماذا ترحل عنا حين نكون بأمس الحاجة لها! لماذا!

26‏/06‏/2020

الشروق .. ليس لأحد


9/8/2016


(5)


أمي سيدة ستينية قصيرة القامة وجميلة، مثل شتلة الجوري كما كان يقول والدي، رائحتها دائما زكية حتى عندما تخرج من المطبخ. وجهها الدائري لم يزل بكامل استدارته رغم السنين والألم. هي امرأة عادية جدا وتقليدية جدا، تؤمن بكل الخرافات التي سمع بها البشر، بداءا من التنانين وانتهاءا بحورية البحر، كما وتصدق كل ما تتناقله وسائل الإعلام دون تمحيص. تعشق الطبخ لأنه الهدية الوحيدة التي تعرف كيف تمنحها جزءا من قلبها لوالدي. فقد كان "يموت في طبخها" كما تقول، ويعشقه أكثر من طبيخ أمه، هكذا كان يصرّح لها عن حبّه الدائم لها. وكانت هي تعشق هذا المديح وتنتظره دوما. وربما هذا أكثر ما تفتقده الآن بعد رحيله، فلم يعد لديها من تصنع له الطعام بحب ليخبرها كم هي طبّاخة رائعة.

عينا أمي تشبه حبّتا اللوز في شكلهما الخارجي ولون قشرنهما الصلبة، وشعرها، آه لا أستطيع الحديث عن شعرها، فهي محجبة منذ الأزل وترفض خلع الحجاب في أي مكان، حتى أنها أحيانا تنساه على رأسها في البيت رغم عدم وجود أحد، وأحيانا أخرى تنام فيه. لذا اعتذر عن وصفه رغم جماله الأخّاذ وذلك احتراما لمشاعرها وتقديرا منّي لها.

وجهها القمري يتزيّن بخال يقع أعلى شفتها من الجهة اليسرى، وقد كان والدي دائما يعود الى البيت ويقبّل الخال قبل أي شيء آخر. وحين يراني متجمّدة في مكاني ومندهشة، كان يقول لي: علينا دائما أن نقبّل الحجر الأسود، فهو حجر من الجنة، وأمك الجنّة. نعم هي جنّتي وجنوني أيضا، فبالرغم من محبتي الصارخة لوالدتي، إلا أنني في أغلب الأحيان كنت أغضب منها وأزعل عليها. فهي تصدّق كل الإجابات الجاهزة، وتؤمن بكل الخرافات التي أحاربها، وتحاول جاهدة أن تجعلني نسخة مكررة عنها كعادة كل أمهاتنا. ربة منزل لها ذوقها الخاص في الطبخ والغسيل وترتيب المنزل، ففي نظرها الرجل هو سيد المنزل وهو الآمر الناهي وهي عليها الإطاعة وحسب. 

كانت تتذمّر باستمرار من دراستي الجامعية والعلم الذي لا ينفع كما كانت تقول، فكانت تتحايل عليّ دوما بمساعدتها في أعباء المنزل حتى لا تراني أحمل كتابا، وأحيانا أخرى تلقي بدفاتري في سلة القمامة ظنّا منها أنني انتهيت منها - كما كانت تتذرّع -. حتى أنها لم تر شهادتي الجامعية ولم تسأل عنها عندما تخرّجت بمعدل امتياز. وكم كانت خيبتي وحزني أشد من أن أحتمل، حينها فقط قرّرت أن أغادر المنزل وأعيش بعيدا عنها لوحدي، نعم عليّ منذ الآن أن أعيش لنفسي ودون تأثيرها السلبي على شخصيتي، سأخرج الى العالم كلّه وأعيش وحيدة واحدة.

حين سمعت أمّي بالقرار، جنّ جنونها، وأخذت تكثّف من اتصالاتها بأخوتي، رائد ومحمد، لمنعي من الانتقال، لكن انشغالاتهما بأمورهم الشخصية كانت أهمّ بكثير من موضوع خروجي من المنزل، فقد كان رائد منشغلا بمشاكلة مع زوجته الأمريكية، وأخي محمد يصارع آلة الرأسمالية في الإمارات، ويسعى ليجعل لنفسه موطئ قدم هناك وعمل ثابت يعتاش منه. كانت مشاكل أخويّ في نظرم أكبر بكثير من قراري السخيف الذي سأعدل عنه لاحقا - كما قالوا لأمي مطمئنين - وهذا ما لم يحدث أبدا.

ساعدني رحيلي المتسرّع في إيجاد عمل في المدينة، بعيدا عن قريتنا التي لم تشبع يوما من الجهل والموت. ففي مطلع العام 2010 قدمت الى حلب الشهباء، مدينة السحر والجمال، مدينة الروائح الطيبة والناس الطيبة، ومن هناك خرجت إليكم بقصتي.

  الروح الغاضبة للتنين